اسماعيل بن محمد القونوي

236

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

السّلام إثر بيان كفرهم بكون كل المطعومات حلالا لهم فظهر كذبهم أيضا في دعوى اتباعهم له عليه السّلام فاتضح وجه ارتباطها بما قبلها ولما كان المفرد المنكر في حكم الجمع لدلالته على الفرد المنتشر حسن إضافة أول إلى البيت . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 96 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) قوله : ( أي وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم ) إشارة إلى تقدير المضاف فلا ينافيه وجود بيت بنيت قبل هذا كما قيل وقد كانت قبله بيوت قوله وجعل متعبدا لهم عطف تفسير لقوله وضع للعبادة ونبه به على أن الوضع هنا بالمعنى اللغوي وهو الجعل . قوله : ( والواضع هو اللّه تعالى ) أي جاعله وآمره ولو قال والجاعل بدل الواضع لكان أحسن وإطلاق الواضع على اللّه تعالى ليس بطريق الاسم ولا بطريق الصفة وفائدة البيان هي أن بناء البيت بأمر اللّه تعالى . قوله : ( ويدل عليه أنه قرىء على البناء للفاعل ) وجه الدلالة أنه مذكور في قوله تعالى : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [ آل عمران : 95 ] الآية . قوله : ( للذي ببكة ) خبر أن وإنما أخبر بالمعرفة مع كون اسمها نكرة لتخصصها بالإضافة والوصف بالجملة بعدها . قوله : ( للبيت الذي ببكة وهي لغة في مكة كالنبيط والنميط وأمر راتب وراتم ولازب قوله : وهي لغة في مكة يعني أنهم قالوا هما لغتان معناهما واحد نحو قولهم النبيط والنميط في اسم موضع وفي الكشاف ونحوه من الاعتقاب أمر راتب وراتم وحمى مغمطة ومغبطه وأمر راتب أي قائم والمغمطة الشديدة الدائمة يقال حمى مغمطة وذكر بعضهم أن الأصح عدم الاعتقاب في مكة وبكة لأن كثرة الاعلام شرف وكل واحدة منهما مستقل باشتقاق واضح ولا اشتقاق في أحد لفظي الاعتقاب نحو حسن وبسن وشيطان وليطان فإن بسن وليطان ليس لفظا موضوعا لمعنى بخلاف بكة ومكة فإن كلا منهما موضوع لمعنى ثم نقل عن معناه الأصلي إلى الموضع المعروف شرفه اللّه أما لفظة بكة فإما أن يكون من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضا يقال بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه وتباك القوم ازدحموا ولذا قال سعيد بن جبير سميت مكة بكة لأنهم يباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضا وأما من البك الذي هو الوضع وإذهاب النخوة والناموس وإنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة وتجعلها وضيعا لا يريد بها جبار بسوء إلا اندقت عنقه وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه الأول أن اشتقاقها من الامتكاك لأنها تمتك الذنوب أي تزيلها كلها من قولهم أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه وأما من المك بمعنى الجذب سميت بذلك لاجتذابها الناس من كل جانب من الأرض كما يقال أمتك الفصيل إذا استقصى ما في الضرع ويقال تمككت العظم إذا استقصيت ما فيه أو لقلة ما بها كان أرضها امتكت ماءها أو لأن مكة وسط الأرض والعيون والمياه تنبع من تحت مكة فالأرض كلها تمتك من ماء مكة ومنهم من فرق بين مكة وبكة فقال بعضهم إن